عطاء فلسطين في عيون الصحافة

رجاء أبو غزالة.. محطاتٌ بارزةٌ في العمل الاجتماعي والإنساني

رام الله- روان الأسعد

 العمل الإنساني والاجتماعي يُضفي معنى خاصاً للحياة، ويربطنا بالمجتمع، وهذا العمل بقدر ما هو جميل، بقدر ما هو معقد، ويتطلب مجهوداً مضاعفاً وصبراً إضافياً.

تستضيف صفحة "ركن المرأة" في هذا العدد سيدةً فلسطينية انخرطت في العمل الإنساني والمجتمعي، وهي المناضلة وسيدة المجتمع رجاء حكمت فياض أبو غزالة، وهي كذلك زوجة القيادي الفلسطيني الدكتور نبيل شعث، لتتحدث عن تجربتها ومسيرتها.

وُلدت رجاء أبو غزالة في نابلس في الثامن عشر من نيسان عام ١٩٦٢، وهي أصغر إخوتها الخمسة والبنت الوحيدة بينهم، والفارق بينها وبين أخيها الأصغر عشر سنوات.

وتقول رجاء لـ "القدس": لي ذكريات كثيرة وجميلة من طفولتي مع أهلي وجيراني، ولا أنسى كيف كنا نخرج للمشاركة بالمظاهرات والإضرابات والاعتصامات، وكثيرٌ من صديقاتي تم اعتقالهنّ وإبعادهنّ، تربينا على حب الوطن والنضال من أجله، وغرس أهلي فينا حب العمل الإنساني والاجتماعي.

وتضيف: درست الابتدائية في مدرسة الكرمل، وأتممتُ دراستي الثانوية العامة في مسقط رأسي بمدرسة جمال عبد الناصر، ثم سافرت إلى بيروت لدراسة إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية، والذي ساعدني على اختيار الجامعة الأمريكية أن أهل والدتي يعيشون في لبنان، وكنا نسافر في العطلة الصيفية لزيارتهم، فلم أبتعد كثيراً عن جو العائلة خلال دراستي الجامعية.

وتتابع: كان للبذرة التي زرعها الأهل بداخلي من حب العمل الانساني أثر كبير في حياتي، تُرجم في مراحل حياتي المختلفة إلى مبادراتٍ وإنجازاتٍ لمد يد العون ومساعدة ضعفاء الحال، خاصة المرأة والطفل الفلسطينيين، وعندي ابنة اسمها سميحة أحرص دائماً على أن أغرس فيها المبادئ التي تربيتُ عليها من الانتماء إلى الوطن والاعتزاز بقيمه الثقافية والروحية والاجتماعية دون الانغلاق عن ثقافة العصر.

تواصل رجاء أبو غزالة حديثها لـ "القدس": إحساسي المرهف دفعني إلى عمل الكثير من المبادرات الإنسانية والوطنية أثناء دراستي في الجامعة الأمريكية في بيروت، منها تنظيم حملات التبرع بالدم للفلسطينيين المتضررين نتيجة الحرب الأهلية في لبنان، وكذلك المشاركة في العديد من الفعاليات التي تنادي بحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.

 

الانطلاق من "بيت الشرق"

ومن أبرز محطات حياتي في القدس في بيت الشرق، فقد توالت بعد ذلك على حياتي العديد من المحطات المهمة، منها السياسية، ومنها الاجتماعية، وقد كانت أُولى المحطات السياسية في حياتي عام 1991، عندما تمّ اختياري من المناضل الفلسطيني الراحل فيصل الحسيني لأشارك في أول دورة للبروتوكول والعلاقات الدولية، التي عُقدت في مؤسسة باسيا في القدس بتمويل من وزارة خارجية دولة السويد، تم إثرها انضمامي إلى فريق عمل بيت الشرق مع المناضل الكبير فيصل الحسيني في العام نفسه أيضاً، وأنا أعتبر هذه الفترة من الفترات التي أعتز بها في مشوار حياتي، حيث التقيت المثقف الثوري فيصل الحسيني الذي كان شخصية لا تُنسى ومثالاً يُقتدى به في الإيمان بقضية الوطن.

وتُكمل: في عام 1992، وضمن عملي في بيت الشرق، شاركتُ في الوفد الذي سافر إلى واشنطن لمفاوضات السلام العربية الإسرائيلية كإدارية.

وتقول أبو غزالة: بعد ذلك عملت مع أول بعثة للبنك الدولي تزور فلسطين، وكنت المنسقة الإدارية للبعثة التي طافت جميع المدن الفلسطينية على مدى شهر كامل، بعدها التحقت بالعمل في قسم البرتوكول في المؤسسة نفسها، حيث كانت هذه الفترة من حياتي العملية غنية جداً بالزيارات والوفود الدولية التي كانت تؤمّ بيت الشرق، والتقيت خلالها وزيرة خارجية تركيا تانسو تشيلر، ووزير خارجية فرنسا الين جوبيه، ووزير خارجية هولندا، وتيري لارسن مبعوث الأمم المتحدة لفلسطين، كما رافقت ملكة هولندا بياتركس خلال زيارتها البلدة القديمة والمسجد الأقصى بمدينة القدس عام 1993، إلى جانب التقائي العديد من ممثلي المنظمات الدولية والجمعيات العالمية وكبار رجال الأعمال الفلسطينيين أثناء زيارتهم بيت الشرق.

وتضيف: كما كنت مسؤولة عن الإعداد لاستقبال الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات (أبو عمار) في رفح، حيث كنتُ مسؤولةً عن كافة الوفود الدولية التي استقبلته في مدينة رفح في عام 1994، وسافرت إلى النمسا للمشاركة في دورة ممولة من الأمم المتحدة حول عمل المؤسسات الدولية ودور الأمم المتحدة في رعاية السلام. وعملت مسؤولة عن الوفود الدولية التي حضرت لاستقبال الزعيم الراحل أبو عمار في أول زيارة له إلى مدينة أريحا في العام نفسه.

وتشير أبو غزالة إلى أن المحطة الأبرز في حياتها كانت في صيف 1995، حين تزوجت من القيادي الفلسطيني الدكتور نبيل شعث، وانتقلت للعيش معه في مدينة غزة، حيث رافقته في العديد من رحلاته الخارجية، وزارت معه ما يزيد عن مئة دولة عربية وأجنبية، أثناء رحلاته لحشد التمويل اللازم لتنفيذ المشاريع المختلفة التي كانت ضمن خطط السلطة الوطنية الفلسطينية للتنمية، وحشد التأييد الدولي والعربي للضغط على إسرائيل لتنفيذ استحقاقات أُوسلو، والتقيتُ خلال هذه الرحلات شخصيات سياسية عربية ودولية كثيرة.

وتواصل: عام 2003، وبعد تفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة إثر انتفاضة الأقصى وما تبعها من توغلات مستمرة لآلة الحرب الهمجية الإسرائيلية، التي كانت تُخلف مشاهد يومية مأساوية من الدمار والقتل والتجويع لسكان قطاع غزة، شعرت أنه لا بد من أن تكون لي مساهمة فاعلة في التخفيف من حدة هذه الأوضاع المعيشية البائسة التي تعيشها الأسرة الفلسطينية، والطفل الفلسطيني، انطلاقاً من إيماني بحقه في العيش بأمان على أرضه.

 

جمعية تطوعية في غزة للإغاثة السريعة

وتتابع: قررت أن أستثمر كل إمكاناتي كسيدة مجتمع في تحقيق هذا الهدف النبيل، وبادرت إلى تأسيس جمعية تطوعية للإغاثة السريعة "عطاء غزة" في أكتوبر 2003، إلى جانب مجموعة من سيدات المجتمع الفلسطيني على رأسهن ليلى شهيد، سفيرة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، وهي مؤسسة أهلية خيرية فلسطينية غير سياسية تُعنى بالمرأة والطفل، وتسعى بالأساس إلى توفير المساعدة لكل من يستحقها، تنشط في العديد من المجالات الخيرية، التي على رأسها كفالة الأيتام، وهو النشاط الذي بدأته منذ تأسيس الجمعية، وحرصت على استمراره طوال سنوات عمل الجمعية دون توقف، كما أوليت الطفل الفلسطيني اهتماماً كبيراً من الناحية الثقافية، إذ قدتُ مشروعاً تنموياً كبيراً هدف إلى دعم ثقافة الطفل الفلسطيني من خلال تأسيس 23 مكتبة أطفال في مختلف محافظات القطاع، وداخل مراكز اجتماعية ونسوية لإيصال الكتاب والقصة إلى كل طفلٍ فقيرٍ في مخيمٍ وحارةٍ من حارات قطاع غزة.

في العام 2006 قدتُ حملاتٍ متعددةً للتشجيع على القراءة وتنمية العادات السلوكية الحسنة لدى الأطفال من خلال فرقة مسرحية من المتطوعين والمتطوعات أسميتها "ماما كريمة وعائلتها" لكسر أسوار الحصار المفروض على سكان القطاع؛ من خلال التحليق في عالم القراءة والتنمية الثقافية تحت عنوان (نطير بالكتاب فوق الأسوار)، والعمل على التدريب النفسي للتعامل مع الأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية شديدة ومتوسطة نتيجة قصف الطائرات الوحشي ورؤية الموتى في شوارع القطاع.

 

انتقال مؤقت إلى القاهرة

وتواصل أبو غزالة حديثها: في العام 2007 وإثر أحداث حزيران من ذلك العام، تعرض منزلنا إلى السلب والهدم، ما أدى إلى انتقالنا للعيش بشكل مؤقت في مدينة القاهرة في مصر، إلا أن الحدود والمسافات لم تؤثر على نشاطي الإنساني في قيادة الجمعية، فتابعت عملي بكل ما أوتيت من عزيمة وإصرار لتحسين الواقع المعيشي لسكان القطاع.

وأثناء حرب الاثنين وعشرين يوماً التي خاضها الاحتلال الإسرائيلي على غزة مطلع عام 2009، حرصت على أن يكون لنا دور فاعل في التخفيف من آلام هذا العدوان على الغزيين، فقدتُ بمساعدة زوجي الدكتور نبيل شعث حملة ضخمة لجمع التبرعات النقدية والعينية لدعم صمود أهل غزة، وأقمنا مخيماً ضم أعداداً كبيرة من المتطوعين الذين كنا على رأسهم، نعمل بأيدينا في جمع وتغليف هذه المساعدات وتهيئتها للنقل إلى غزة، وقد ساهمت هذه الحملة بمساعدة أكثر من 10 آلاف أسرة فلسطينية.

في العام 2003، شغلتُ الرئاسة الفخرية لمجموعة غزة الكشفية، وفي العام 2004 نظمتُ مخيم العطاء الكشفي الأول الذي أقيم في مدينة غزة، وفي 2009 أشرفت على مشروع للتأهيل النفسي للأطفال الأيتام الذين تضرروا نتيجة للحرب المدمرة على غزة في ذلك العام، وذلك إلى دولة لاتفيا شرق أوروبا. وفي 2010 أشرفت على مشروع لابتعاث عشرات الأطفال من غزة والضفة الغربية للمشاركة في معسكرات التعبير الرقمي في جمهورية مصر العربية، وفي العامين 2011 و2012 تم ابتعاث مجموعة أخرى من الأطفال الأيتام لدعمهم نفسيا في مخيمات الربيع العربي بمصر أيضاً.

 

الإقامة في رام الله.. و"عطاء فلسطين الخيرية"

في كانون الثاني 2010، انتقلت برفقة زوجي د.نبيل شعث وابنتي للإقامة في مدينة رام الله، بدأت بالتحرك السريع والعمل الجاد لتأسيس جمعية جديدة أطلقت عليها اسم "عطاء فلسطين التطوعية" لتكمل مسيرة جمعية "عطاء غزة" التي تقدم العطاء من غزة المحاصرة، وتحمل رسالة العطاء الثقافي والعطاء الإنساني في آن معاً، وترسيخاً للعمل الإنساني في جميع محافظات الوطن، لا سيما مع محاولة الاحتلال الإسرائيلي فصل المدن الفلسطينية، لمنع أي تقدم اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي، وارتأيت تعزيز مفهوم الوحدة واقعاً من خلال العمل المؤسسي على الأقل، وفي آذار عام 2013 وحدت المؤسستين وأصبح اسمها الجديد "جمعية عطاء فلسطين الخيرية"، وأصبح عطاؤها من غزة إلى فلسطين، حتى أصبحت جمعية عطاء فلسطين الخيرية الجهة الوحيدة في فلسطين التي تقدم البرامج الإغاثية والثقافية في القدس وقطاع غزة وقرى الضفة الغربية المهمشة.

ولا تزال عجلة العمل في جمعية "عطاء فلسطين الخيرية" تتقدم وتتسارع لتواصل مسيرتها، وتأخذ بكل يد تحتاج المساعدة، لدعم وتعزيز صمود الفلسطينيين، وتواصل السيدة رجاء أبو غزالة شعث مشوارها الذي بدأته بالعطاء قولاً وفعلاً حتى تكون على الدوام عنصر بناء وقوّة وعطاء.

مقال جريدة القدس : https://bit.ly/2IOC5nG